تظل دول مجلس التعاون الخليجي الإطار العربي الأكثر قدرة على الصمود وتجاوز التحديات، بفضل واقعيته واعتداله ورؤيته المشتركة لمستقبل قائم على الأمن والتكامل الاقتصادي.
استضافت المنامة، في 16 مايو 2024 ومرة أخرى في 3 ديسمبر من هذا العام، قمتين: القمة العربية الثالثة والثلاثون والقمة السادسة والأربعون لمجلس التعاون الخليجي. هناك خيط مشترك يربط بين الحدثين: الواقعية والاعتدال والالتزام بتبني قرارات موحدة تعكس روح المسؤولية والرهان على المستقبل.
على الرغم من أن قمة مجلس التعاون الخليجي في المنامة – الثامنة التي تستضيفها البحرين منذ تأسيس المجلس في عام 1981 – عُقدت في سياق دقيق يتعلق بالأمن الإقليمي، خاصة بعد الهجمات الإسرائيلية على قطر، فإن حقيقة أن ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة قد أثار، في كلمته الافتتاحية، قضية حماية الأمن الخليجي ووصفها بأنها “قاعدة ذهبية” لعمل المجلس، استنادًا إلى وحدة المصير واحترام السيادة والعلاقات الجيدة وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، شكلت جوهر ما يشغل صانعي القرار في المنطقة.
كان من اللافت أن الملك حمد ذكر الجميع بأن تقدم مجلس التعاون الخليجي يستمد قوته من روابط الأخوة والقرابة، وأنه تأسس على مبادئ التكامل والتوحيد، مما يعزز مكانته كقوة إقليمية فعالة. لذلك لم يكن من المفاجئ أن يعبر البيان الختامي للقمة عن رغبة خليجية واضحة في دمج تعزيز الأمن المشترك مع توسيع آفاق التكامل الاقتصادي، استنادًا إلى 162 بندًا تحدد ملامح رؤية مستقبلية متقدمة.
أظهر الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدف الدوحة حاجة الدول الخليجية لتفعيل اتفاق الدفاع المشترك أكثر من أي وقت مضى، وتحديث بعض آلياته بما يتماشى مع حجم التحديات الحالية، وأن “لا أحد يخدش جلدك مثل ظفرك” – بمعنى آخر، الاعتماد على الذات أمر أساسي.
في هذا السياق، أعرب عبد الله بشارة، أول أمين عام للمجلس، للصحفيين عيسى الشايجي ورشيد الحمّر من صحيفة “الأيام” عن رضاه بمستوى التنسيق الأمني والسياسي داخل مجلس التعاون الخليجي، معتبرًا أن صوته مسموع دوليًا ويحمل وزنًا حقيقيًا. ومع ذلك، تمنى أن تكون الإنجازات الاقتصادية أوسع وأن تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطن الخليجي.
بغض النظر عن النتائج التفصيلية لقمة الخليج، فإن مجرد انعقادها يبقى مكسبًا كبيرًا، نظرًا لأن مجلس التعاون الخليجي هو الكتلة العربية الإقليمية النشطة الوحيدة التي لا يزال ديناميتها قائمة، على عكس اتحاد المغرب العربي الذي يعاني من شلل هيكلي – أو بالأحرى حالة موت سريري – بسبب النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء المغربية.
وإذا كانت الجزائر قد حاولت قبل عدة أشهر إقامة كتلة ثلاثية تضم تونس وليبيا، فإن هذا المشروع وُلِد ميتًا لعدة أسباب، من بينها أنه يتعارض مع طبيعة المنطقة ويهدف إلى عزل المغرب، بالإضافة إلى رفض موريتانيا الانضمام إلى تجمع مغاربي لا يشمل المملكة المغربية.
ينطبق الأمر نفسه على مجلس التعاون العربي الذي تأسس في عام 1989، والذي جمع العراق والأردن ومصر واليمن، لكنه انهار بسرعة بعد بضعة أشهر following غزو العراق للكويت في عام 1990. كما ينطبق على “جبهة الصمود والمواجهة”، التي تشكلت بعد زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس في عام 1977 والتي تضم سوريا وليبيا والجزائر والعراق واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تتفكك في منتصف الثمانينات بسبب الانقسامات العربية.
على الرغم من كل تلك التجارب التي تعثرت أو انهارت، ظل مجلس التعاون الخليجي منارة أمل ونجح في بناء نموذج تنموي واعد قائم على الاستقرار والازدهار. وهذا ما أشار إليه الملك حمد في كلمته عندما أشاد
تم التأكيد على ما تم تحقيقه في مجالات الوحدة الاقتصادية والمواطنة الخليجية، مشددين على تطلعات الدول الأعضاء لاستكمال مشروع الاتحاد الجمركي، وتعزيز السوق الخليجية المشتركة، وتوسيع الشراكات في مجالات الأمن الغذائي والمائي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة.
جاء البيان الختامي للقمة محملاً برسائل تؤكد أن الأمن الخليجي غير قابل للتجزئة، وأن أي تهديد لأحد دوله يؤثر على الجميع، استناداً إلى ميثاق تأسيس مجلس التعاون الخليجي واتفاقية الدفاع المشترك. وتزامن ذلك مع خطوات متقدمة في التكامل مثل إنشاء هيئة الطيران المدني الخليجي الموحد واعتماد منصة صناعية مشتركة، مما يعكس رغبة في مؤسسية وتوسيع التعاون الاقتصادي.
كما أكدت قمة المنامة الالتزام برؤية الملك سلمان بن عبد العزيز لتعزيز العمل الخليجي المشترك، واستكمال الأطر الدفاعية والأمنية، وتوحيد المواقف السياسية، وبناء شراكات دولية أوسع، مع تكليف الجهات المعنية بوضع جدول زمني للتنفيذ. كما أعادت التأكيد على استمرار المشاورات للانتقال من مرحلة “التعاون” إلى مرحلة “الاتحاد”.
على أي حال، يبقى مجلس التعاون الخليجي الإطار العربي الأكثر قدرة على الصمود وتجاوز التحديات، بفضل واقعيته واعتداله ورؤيته المشتركة لمستقبل قائم على الأمن والتكامل الاقتصادي، بما يعزز الاستقرار والازدهار في المنطقة.

