إن معارضة الحرب على إيران ليست موقفًا عاطفيًا، ولا تعني الاصطفاف مع النظام الثيوقراطي في طهران – وهو نظام كان قاسيًا بما يكفي لإيذاء شعبه أولاً، ولتصدير أيديولوجية الهيمنة إلى جيرانه ثانيًا. إن حكام إيران، بكل طبقاتهم الأيديولوجية والأمنية، لا يحتاجون إلى أحد للدفاع عنهم. الاعتراض الحقيقي يأتي من مكان آخر: من ذاكرة لم تلتئم، من جرح عراقي أصبح درسًا سياسيًا عالميًا في كيفية تصنيع الفشل.
عندما غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003، فعلت ذلك تحت شعارات “التحرير” و”أسلحة الدمار الشامل”. وبعد عقدين من الزمن، لم يتبق من تلك الشعارات سوى اعترافات متأخرة.
إنها تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها.
أصبح العراق بعد الغزو مختبرًا للفوضى: دولة منهارة، طبقة سياسية فاسدة، ميليشيات طائفية تتكاثر كالفطر، اقتصاد مخطوف، ومجتمع يعيش فوق قدر ضغط على وشك الانفجار.
هذا الإرث وحده يكفي لجعل أي حرب جديدة في المنطقة تبدو وكأنها إعادة لتكرار نفس الخطأ – ولكن على نطاق أوسع.
لم يكن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يقدم تأملًا تاريخيًا عندما تحدث عن حرب العراق؛ بل كان يصدر تحذيرًا سياسيًا. قال إن الغزو الأمريكي لم يدمر العراق فحسب – بل أطلق موجة من الإرهاب المتطرف، وزاد من أسعار الطاقة العالمية، وغير توازن القوى في العالم بطرق لا يمكن لأحد السيطرة عليها. وأضاف أن الهجوم على إيران يحمل نفس ضبابية عدم اليقين، وأن عواقبه لن تؤدي إلى نظام دولي أكثر عدلاً، بل إلى جولة جديدة من الفوضى.
هذا الرأي ليس معزولًا. فقد ذكر وزراء الخارجية الأوروبيون، ومراكز الفكر الغربية، وحتى الجنرالات المتقاعدين العالم بأن حرب العراق كانت نقطة التحول التي كشفت حدود القوة العسكرية – وأن أي حرب جديدة في الشرق الأوسط ستعيد إنتاج نفس السيناريو: دول منهارة، وميليشيات متزايدة، ومنطقة تحولت إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.
لماذا يبدو أن العالم أكثر خوفًا من الحرب اليوم؟ لأن الجميع يعرف أن الشرق الأوسط لا يمكنه تحمل حرب أخرى. لأن التجربة العراقية أثبتت أن الحرب أسهل من بناء السلام، وأن الإطاحة بالأنظمة لا تعني الإطاحة بالأزمات، وأنه دائمًا ما يدفع الناس الثمن.
ولأن النظام الإيراني – على الرغم من كل قسوته – ليس مجرد “هدف عسكري”، بل هو عقدة جيوسياسية تمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط. أي حرب ضده لن تكون “عملية جراحية دقيقة”، بل زلزال يعيد تشكيل طرق الطاقة، والتحالفات، والاقتصاد العالمي.
لقد كان هذا النظام قاسيًا بما يكفي لإيذاء مواطنيه وتصدير أيديولوجيته للهيمنة. لكن سقوطه – يجب التأكيد على ذلك – هو مطلب شعبي داخل إيران نفسها قبل أن يكون رغبة إقليمية. الملايين من الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع على مدار العقدين الماضيين لم يكونوا يطلبون إصلاحات تجميلية؛ بل كانوا يطالبون بإنهاء نظام صادر حياتهم وحرياتهم وحول بلادهم إلى ساحة معركة.
ومع ذلك، فإن رفض الحرب لا يتعارض مع الرغبة في رؤية النظام يسقط. إنه ينبع من الدرس العراقي الذي لا يزال يلوح كتحذير فوق رؤوس الجميع.
ومع ذلك، فإن المنطقة نفسها ليست بريئة في تأجيج مخاوف اليوم.
لم تكن هذه الهجمات مجرد عمليات عسكرية؛ بل كانت إعلانات بأن المنطقة بأسرها أصبحت رهينة لحسابات إيران ووكلائها المسلحين.
class=”MsoNormal”>السؤال الآن هو ما إذا كان بإمكان العالم أن يتعلم من الدرس العراقي قبل أن يجد نفسه يواجه نسخة جديدة من نفس الفوضى—هذه المرة على شواطئ الخليج وفي قلب سوق الطاقة العالمي.

