مضيق هرمز الآن في طريقه ليصبح الساحة الرئيسية للاشتباك، حيث تعتمد إيران على حرب العصابات المدفوعة بالقوارب السريعة لمواجهة البحرية الأمريكية.
بينما تتقدم المفاوضات الأمريكية الإيرانية ببطء شديد، تتصاعد التوترات في الخليج العربي والبحر العربي، وسط زيادة في التواجد العسكري الأمريكي. وقد تجسدت هذه التوترات بالفعل في هجمات وعمليات استيلاء على السفن التجارية، حيث يتبادل الجانبان التهديدات بزيادة العنف.
في هذه المياه، يبدو أن وضعًا جديدًا يتشكل، تحكمه معادلة دقيقة توازن بين التصعيد المدروس والجهود الرامية لتجنب اندلاع صراع شامل. الساحة البحرية الآن في طريقها لتصبح الساحة الرئيسية للاشتباك، حيث تعتمد إيران على تكتيكات غير تقليدية لمواجهة خصم أكثر قوة: البحرية الأمريكية.
تعتمد حرب العصابات البحرية الإيرانية على أسطول من القوارب السريعة المصممة لتنفيذ هجمات سريعة ومنسقة ودقيقة في مضيق هرمز، أحد أهم نقاط التجارة البحرية في العالم. لقد أصبحت هذه القوارب ركيزة مركزية في التفكير البحري الإيراني، خاصة بعد أن دمرت الولايات المتحدة الكثير من عتادها البحري التقليدي.
لقد أطلق على هذه القوارب اسم “أسطول البعوض”، وهو مصطلح يصف تكتيكًا يعتمد على الكثافة العددية والسرعة العالية، حيث يتم شن الهجمات في وقت واحد من عدة اتجاهات لإرباك الخصم، وتفريق دفاعاته، وتوجيه ضربة حاسمة. تكمن قيمتها في التأثير التراكمي عند العمل كخ swarm سريع الحركة أكثر من كونها في قوة النيران لكل قارب فردي.
تعتمد الاستراتيجية على سفن خفيفة وسريعة، عادة ما تكون مزودة بأسلحة بسيطة نسبيًا مثل المدافع الرشاشة الثقيلة وقاذفات الصواريخ، وأحيانًا صواريخ مضادة للسفن. على الرغم من أن تسليحها محدود مقارنةً بتلك الخاصة بالمدمرات والفرقاطات، فإن فعاليتها تنبع من قدرتها على الانتشار بسرعة، والمناورة بمرونة، وتنفيذ هجمات مفاجئة بأعداد كبيرة.
أسطول مخفي
يُعتقد أن إيران تمتلك المئات، أو حتى الآلاف، من هذه القوارب، المخفية في المنشآت الساحلية أو الأنفاق، وأحيانًا تكون متخفية بين حركة الملاحة المدنية، مما يجعل من الصعب اكتشافها مسبقًا أو تحييدها بشكل استباقي. تتركز هذه القوارب بشكل رئيسي في الخليج العربي، وخاصة حول مضيق هرمز، الذي تمر عبره تقريبًا خُمس إمدادات الطاقة في العالم. تمنح هذه الجغرافيا القوارب ميزة تكتيكية كبيرة: يمكنها الانقضاض نحو أهدافها، سواء كانت سفنًا تجارية أو عسكرية، ثم الانسحاب قبل أن تتمكن القوات المعادية من الرد بفعالية.
في العمليات الهجومية، يتم عادةً نشر هذه القوارب في تشكيلات صغيرة تتكون من 10 إلى 12 سفينة إما لمضايقة أو الاستيلاء على السفن، وهي جزء من نظام أوسع متعدد الطبقات يشمل الصواريخ الساحلية، والطائرات المسيرة، والألغام البحرية، وقدرات التشويش الإلكتروني. الغرض من هذا التكامل هو تشويش العدو وتعطيل قدرته على اتخاذ قرارات سريعة. عند مواجهة عدو أقوى، غالبًا ما تهدف الأطراف الأضعف إلى عدم هزيمة عدوها، بل إلى استنزافه، جسديًا وماليًا. تستخدم طهران أدوات ذات تكلفة منخفضة إلى متوسطة يمكن نشرها بأعداد كبيرة لاستنزاف ترسانة الولايات المتحدة.
حتى عندما تفشل هذه الوسائل في إلحاق ضرر حاسم، فإنها تحقق هدفًا مهمًا: الردع النفسي، من خلال تعميق الشعور بأن تهديدًا قد يظهر في أي لحظة ومن أي اتجاه. لهذا الغرض، لا تسعى إيران بالضرورة إلى غرق حاملة طائرات أمريكية، بل إلى جر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد واستنزاف مواردها.
إجراءات الولايات المتحدة المضادة
تدرك الولايات المتحدة أنها لا تستطيع الاعتماد فقط على السفن الحربية التقليدية والدوريات المأهولة لمراقبة المسارح البحرية الواسعة التي تمتد لنحو 5000 ميل، من قناة السويس عبر البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية الجنوبية إلى الخليج والكويت. لذلك، تتجه بشكل متزايد نحو الأنظمة غير المأهولة للتكيف مع البيئة. مع تصاعد تهديدات الحرب غير المتناظرة، انتقلت هذه الأنظمة من كونها أدوات دعم إلى عنصر مركزي في طريقة المواجهة.
في سبتمبر 2021، أنشأت الولايات المتحدة القوة البحرية 59 كأول تشكيل بحري مخصص للأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي. تلا ذلك إطلاق القوة 59.1 في 3 يناير 2024، بهدف دمج هذه الأنظمة ووضعها في الاستخدام التشغيلي جنبًا إلى جنب مع المشغلين البشريين. من بين أبرز تعبيراتها منصات Saildrone، التي تستخدم الرادار والكاميرات ونظام التعريف التلقائي لتتبع الأهداف في الوقت الحقيقي. الغرض منها ليس مجرد اكتشاف الوجود، بل تمييز السفن التي تعرف نفسها بشكل طبيعي عن تلك التي تتحرك دون هوية واضحة أو تظهر سلوكًا مشبوهًا. يساعد هذا الولايات المتحدة في اكتشاف القوارب الصغيرة التي تحاول الاختباء وسط الحركة التجارية في بيئة مزدحمة مثل مضيق هرمز.
تجمع أنظمة الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات من الرادارات والكاميرات الكهروضوئية والحرارية وأنظمة التعريف، وهي كميات من المعلومات التي لا يمكن للمشغلين البشريين معالجتها بالسرعة نفسها. يساعد هذا النظام في فرز المعلومات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والإشارة إلى الأنشطة التي قد تبدو غير ضارة على السطح ولكنها تخفي نوايا عدائية.
تبني الولايات المتحدة أيضًا شبكة إنذار مبكر تعزز قدرتها على اكتشاف التهديدات في مراحلها الأولى وتقلل من اثنين من المزايا المركزية للحرب غير المتناظرة: المفاجأة والقدرة على فرض الإيقاع.
في الجو، تبرز الطائرة MQ-4C Triton كواحدة من الأعمدة الرئيسية في هذا النهج. فهي منصة مراقبة بحرية عالية الارتفاع وطويلة التحمل، مزودة بمجموعة حساسات متقدمة تمكنها من المراقبة المستمرة عبر مناطق شاسعة. تعمل ضمن نظام الاستطلاع البحري الأمريكي جنبًا إلى جنب مع الطائرة P-8A Poseidon، مما يوفر صورة شاملة تتجاوز تتبع هدف واحد وتمتد إلى قراءة أنماط حركة أوسع عبر المسرح البحري. قد يكون هذا حيويًا في مضيق هرمز، حيث تتشكل التهديدات من خلال حركات تبدو عادية.
إلى جانبها تأتي الطائرة MQ-9B SeaGuardian، النسخة البحرية من عائلة MQ-9، والتي تتمتع بقدرة تحمل تزيد عن 30 ساعة ومجهزة لمراقبة البحر. تجعل هذه القدرة مناسبة بشكل خاص لتتبع طرق الشحن والأهداف الصغيرة على مدى فترات طويلة، بدلاً من مجرد التقاط لحظات عابرة من المراقبة.
بالقرب من السفن البحرية، اعتمدت البحرية الأمريكية، ضمن عمليات القوة البحرية 59، على منصات مثل Flexrotor، وهي طائرة صغيرة غير مأهولة قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي من السفن. توفر للسفن “عينًا” إضافية دون الحاجة إلى نشر مروحية مأهولة في كل مرة. كما ظهرت الطائرة V-BAT في الجهود المبذولة لدمج الأنظمة غير المأهولة في الخليج، مما يشير إلى تحول نحو منصات تكتيكية خفيفة يمكن أن تعمل بكفاءة في بيئات بحرية ضيقة ومزدحمة.

