بعد عامين من الحرب، والغارات الجوية، والجوع في غزة، سمحت لي منحة دراسية بالدراسة في إيطاليا، لكن نجاتي جاءت على حساب ترك عائلتي وشعبي خلفي.
قبل عام، كانت أيامي في غزة محددة بالخوف والسؤال المستمر عن كيفية البقاء على قيد الحياة. اليوم، أنام وأستيقظ في إيطاليا في حالة من السلام، بعد أشهر من النوم تحت القنابل والاستيقاظ على صوت الغارات الجوية.
أنا آمن هنا في جسدي بينما تبقى عائلتي في غزة، تواجه واحدة من أكثر المستقبلات غموضًا في العالم.
في العام الماضي، كانت أيامي تتنقل بين البكاء والدعاء. لا زلت أحمل الحزن في قلبي، ألم متجذر بعمق داخلي من إصابة لا يمكن أن تلتئم بينما تستمر في التسبب بها.
بكيت خلال المعاناة الهائلة التي تحملناها بينما كانت الدبابات الإسرائيلية تقترب أكثر فأكثر من منزلي. يمكن أن تعيش الأمل والخسارة جنبًا إلى جنب. تعلمت هذا خلال تلك الأشهر عندما كان البقاء يعني التمسك بكليهما في آن واحد.
كانت الموتى تحيط بي. كانت الظلمة والألم تملأ ذهني وروحي. نجت عائلتي وأنا من العديد من الرعب معًا.
عشت لمدة أربعة أشهر داخل مستشفيات غزة أعتني بأمي الحبيبة بعد إصابتها، حاملاً مسؤوليات كانت تثقل كاهلي وقلبي.
نجوت من عامين من الحرب، والجوع، والغارات الجوية والاكتئاب الذي جاء معهما، متمسكًا بالأمل رغم كل شيء.
ترك غزة لمتابعة التعليم الذي حلمت به يعني ترك الأشخاص الذين أحبهم أكثر.
هذا هو ثمن نجاتي.
التمسك بالأمل
كانت ذهني مشدودة في اتجاهين: كيفية البقاء على قيد الحياة كل يوم، وكيفية التمسك بحلم الحصول على منحة دراسية يمكن أن تعيدني إلى نفسي.
“كل شيء في الحياة مؤقت. أيام أفضل قادمة”، قالت لي الصحفية البرازيلية جيوفانا فيال عندما كنت مشردًا وأعيش في خيمة بعد أن تم إجلاؤنا من منزلنا في مدينة غزة.
أصبحت تلك الكلمات سببًا لي للاستمرار في مواجهة كل ظرف.
خلال عامين من الحرب، انتقلت عائلتي وأنا عبر مراحل مختلفة من البقاء. كانت إصابة والدتي هي الأصعب بلا منازع. ومع ذلك، حاولت الحفاظ على معنوياتي مرتفعة. كنت أؤمن دائمًا أن هناك ضوءًا في نهاية كل شيء.
جلبت عزيمتي أيضًا ضغطًا كبيرًا. ليلاً ونهارًا، كنت أبحث عبر الإنترنت عن منح دراسية للفلسطينيين.
قدمت طلبات لعشرات الفرص. تقدمت حتى عندما كانت الحدود مغلقة. تقدمت مع الإيمان بأن لا شيء مستحيل، بغض النظر عن الوقت أو المكان الذي تكون فيه.
بعد محاولات لا حصر لها، تم منحي منحة دراسية من خلال مبادرة الجامعات الإيطالية للطلاب الفلسطينيين (IUPALS).
تلقيت الخبر بينما كنت لا أزال أعيش في خيمة. كان سماع الكلمات “أراك قريبًا في إيطاليا” يبدو غير واقعي، كما لو كان مزحة أو أمل زائف – جيد جدًا ليكون صحيحًا لفلسطيني لم يعرف شيئًا سوى خيبة الأمل.
ترك غزة
انتظرت شهرًا كاملًا لتاريخ إجلائي.
“أخشى أن أكون شهيدًا قبل أن أحقق حلمي”، قلت لصديق إيطالي وقف بجانبي في كل خطوة على الطريق.
أصبح ذلك الشهر نوعًا من التدريب، أعد نفسي لتوديع عائلتي. شعرت فقط بالأنانية لتركهم. لقد عانينا معًا. لماذا منح البقاء لي فقط؟ في أي عالم يمكن تفسير هذه المشاعر؟
كانت ليلة 16 ديسمبر 2025 أكثر الليالي ألمًا في حياتي. غادرت وأنا في دموع، أودع عائلتي دون أي وعد برؤيتهم مرة أخرى قريبًا.
كنت أعلم مدى عدم اليقين الذي سيحيط بلقائي بهم مرة أخرى. ومع ذلك، كان يجب عليّ ترك هذا الشك وراءي ومحاولة إعادة البناء، لوضع القطع معًا من أجل مستقبل أفضل – لي ولعائلتي.
بينما كنت أسافر إلى إيطاليا، كانت هناك سؤال واحد يلازمني طوال رحلتي: لماذا يجب علينا مغادرة وطننا وعائلتنا لبناء مستقبل أفضل؟
كان قلبي يريد أن يشعر بالسعادة الكاملة لأنني كنت أخيرًا أحقق أحد أكبر أحلامي. لكن تلك السعادة تتقطع باستمرار بفكرة ما يقرب من 2 مليون شخص في بلدي الذين يتمنون نفس الفرصة.
أشعر بمعاناتهم بعمق.
أتمنى لو أستطيع مشاركة الفرصة التي أُعطيت لي مع الجميع. أتمنى لو أستطيع تقديم نفس الطريق إلى الأمان والإمكانية لأصدقائي وزملائي في غزة.
هذه العار من كوني آمنًا هو شيء آمل أن أتعلم العيش معه – إن لم يكن التغلب عليه – يومًا ما.
الحياة بعد البقاء على قيد الحياة
وصلت إلى إيطاليا بعد ثلاثة أيام من الإجلاء، وهبطت في روما في 17 ديسمبر.
لم يكن لدي شيء سوى هاتفي وشاحنه. لقد نجوت بروحي وحدها.
كل شيء بدا غير مألوف. إيقاع الحياة البطيء هنا أزعجني.
في غزة، كانت كل لحظة صغيرة تحمل الوزن الهائل من المعاناة.
هنا، كانت الشوارع النظيفة، والوجوه المبتسمة، والطعام، والماء، والمباني السليمة تحيط بي. كان ينبغي أن يجعلني كل ذلك أشعر بالراحة والامتنان.
ومع ذلك، فإن الشعور بالأمان بينما يبقى أحبائي في غزة جعل البقاء على قيد الحياة يبدو فارغًا، كما لو أنه فقد معناه.
في كل مرة تسألني عائلتي عن شكل يومي، أجد نفسي أحاول تقليص المسافة بين واقعينا. سهولة الحياة هنا تؤلم أكثر مما توقعت – وسائل النقل السلسة، والطعام المعقول، والهواء النظيف، والأمان.
لكن بغض النظر عن عدد الأيام الصعبة التي عشتها في غزة، لا زلت أنتمي إلى غزة وفلسطين. أعلم كيف يمكن أن يشعر الوطن بأنه المكان الأكثر أمانًا، حتى عندما يبدو أنه أخطر مكان على وجه الأرض.
أكبر هدف لي هو إعادة بناء مسيرتي الأكاديمية والعودة إلى وطني، لأصب كل ما أتعلمه وأختبره في فلسطين وشعبي.
على الرغم من صراعاتي الداخلية، لا أزال ممتنًا بعمق لإيطاليا والشعب الإيطالي. لقد منحوا العديد من الطلاب الآخرين لي الفرصة لمتابعة الحياة التي قطعتها الحرب.
أمشي في هذه الشوارع بفخر، أعيش في مدينة ترفرف فيها علم بلدي بالقرب – تذكير بالوطن. ومع ذلك، فإن الأمان يبدو غير مكتمل بدون عائلتي.

