قبل عدة سنوات، سألت عالماً عمانياً بارزاً سؤالاً حير الكثيرين في العالم العربي: لماذا تحافظ مسقط على ثقة متبادلة عميقة مع طهران، على الرغم من عقود من السلوك الإيراني الذي أقنع معظم الدول العربية بأن إيران ليست شريكاً موثوقاً؟ أجاب بثقة هادئة: “لأننا حاربناهم عبر التاريخ. نحن فهمناهم، وهم فهمونا.”
لم يكن ذلك إشارة حنين إلى المعارك القديمة، بل ملخصاً موجزاً لذاكرة سياسية طويلة. عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي واجهت الفرس بشكل مباشر، وهزمتهم في بعض الأحيان، وتفاوضت معهم في أحيان أخرى. تشمل هذه التاريخ حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها في السرديات الإقليمية: في عام 1775، كانت الأسطول العماني هو الذي كسر الحصار الفارسي على البصرة بعد أن استنجدت القبائل العربية بالإمام أحمد بن سعيد. مثل هذه الحلقات لا تُستدعى للفخر، بل لشرح علاقة لا يمكن فهمها من خلال عدسة العقود الأخيرة فقط.
ومع ذلك، يعود السؤال اليوم بشكل أكثر حيرة. كيف يمكن أن تضرب الصواريخ الإيرانية الموانئ والمنشآت العمانية، رغم أن عمان هي الدولة التي عملت بجد، وبشكل سري، لمنع الحرب على إيران؟ كيف يمكن لدولة أن تستوعب مثل هذه الضربات وتظل ترفض التخلي عن مسارها الوسطي؟
هذه ليست لغزاً لأولئك الذين يعرفون عقيدة مسقط السياسية. قال لي وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، قبل سنوات خلال مناقشة في جامعة كامبريدج إن الاعتدال العماني ليس تكتيكاً، ولا إيماءة نحو إيران وحدها. إنه فلسفة حكم—جزء من كيفية تعريف الدولة لنفسها، وليس موقفاً يتشكل بفعل أزمة اللحظة.
كانت تلك الفلسفة واضحة تماماً مؤخراً عندما نشر البوسعيدي واحدة من أكثر المقالات لفتاً للنظر في هذه الحرب في مجلة الإيكونوميست. بينما كانت الصواريخ تتساقط على بلاده، حث حلفاء أمريكا على مساعدة واشنطن للخروج مما أسماه “حرباً غير قانونية.” وصف الضربات الانتقامية الإيرانية على ما زعمت طهران أنها أهداف أمريكية في الدول المجاورة بأنها “حتمية، رغم أنها مؤسفة تماماً وغير مقبولة.” في مواجهة صراع تقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه يهدف إلى القضاء على الجمهورية الإسلامية، جادل بأن إيران قد لا ترى خياراً عقلانياً آخر.
وحذر من أن عواقب هذا التصعيد تُشعر بها بشكل حاد على السواحل الجنوبية للخليج، حيث ترى الدول العربية التي وضعت أمنها في يد أمريكا أن هذه الشراكة أصبحت نقطة ضعف.
عبّر عن أمله في أن يكون الحديث عن تغيير النظام في إيران مجرد خطاب، مشيراً إلى أن إسرائيل تسعى علناً إلى انهيار الجمهورية الإسلامية دون الكثير من القلق بشأن ما قد يتبع ذلك.
هنا يكمن التناقض الذي نادراً ما يجرؤ أحد على التعبير عنه: دولة تحت النار تختار أن تتحدث بلغة الوساطة، وليس بلغة الضحية. هذه ليست سذاجة. إنها منطق دولة صغيرة تفهم تكلفة الغضب، وثمن الانجرار إلى صراع لا يمكنها السيطرة عليه.
غالباً ما يرفض النقاد الاعتدال العماني كضعف أو استرضاء، كما لو كانت السياسة الخارجية تقاس فقط بحجم الغضب. لكن هذا الرأي يتجاهل حقيقة بسيطة: الدول التي تصرخ لا تشكل بالضرورة الأحداث، بينما الدول التي تهدئ الأوضاع أحياناً تفعل.
كما أن الحياد العماني ليس معادلة أخلاقية بين المعتدي والضحية. إنه قراءة باردة للواقع الإقليمي. تعرف مسقط أن الإطاحة القسرية بالنظام الإيراني لن تنتج شرق أوسط أكثر أماناً. بل قد تطلق موجة من عدم الاستقرار تمتد من الخليج إلى العراق وأفغانستان. رسالة عمان ضمنية ولكنها واضحة: السؤال ليس ما إذا كان المرء يحب أو يكره طهران، بل ما إذا كان قد حسب تكلفة انهيارها. في هذا المعنى، يصبح الاعتدال العماني شكلاً من “العقلانية الإلزامية” المفروضة من قبل الجغرافيا قبل الضمير.
تعتبر الجغرافيا مهمة. تقع عُمان عند فم مضيق هرمز، الممر الضيق الذي يتدفق من خلاله نحو ثلث النفط المتداول في العالم. أي تصعيد في هذا الممر ينعكس على الفور في الأسواق العالمية. الدولة التي تحرس مثل هذا النقطة الحرجة لا يمكنها تحمل سياسات متهورة. لا يحتاج المضيق إلى فاعل آخر يضيف الوقود إلى النار؛ بل يحتاج إلى دولة قادرة على خفض درجة الحرارة. كل سفينة تمر عبر هرمز تذكرنا بأن العالم يعتمد على عُمان هادئة، وليس على عُمان تصادمية.
لهذا السبب ترى مسقط نفسها ليست مجرد دولة خليجية، بل وصية على استقرار الطاقة العالمية.
لذا فإن الاعتدال العماني ليس مجرد تكتيك، بل هو رؤية عالمية تشكلت عبر قرون من الخبرة السياسية. إنه يرفض الاستقطاب، ويقاوم الاعتماد على أي قوة واحدة، ويفهم أن البقاء في منطقة مضطربة يتطلب هدوء الأعصاب، وليس صوتًا عاليًا. إن فهمها لإيران ليس متجذرًا في الخوف أو الإعجاب، بل في الألفة—معرفة حميمة بجار لا يمكن إدارة سلوكه من خلال التهديدات وحدها.
في النهاية، تراهن عُمان على الوقت. تنتهي الحروب، وتتغير الأنظمة، وتتحول التحالفات—لكن سمعة الدولة تدوم. لقد بنت مسقط سمعتها على كونها الفاعل الذي لا يخون، ولا يزايد على مواقفه، ولا يتخلى عن دوره كوسيط حتى عندما تصبح هدفًا.
قد تسقط الصواريخ على الموانئ العمانية، لكن ما لا يسقط هو إيمان مسقط بأن العالم لا تحكمه الغضب، بل التوازن. الاعتدال الذي يسخر منه البعض هو، في الحقيقة، آخر شكل متبقي من العقلانية في منطقة تغذي كثيرًا من الأوهام.

