البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي أعلن فيه استدعاء القائم بالأعمال الأمريكي وتسليمه مذكرة احتجاج “شديدة اللهجة”، كما أفادت وكالة رويترز، يبدو في ميزان الواقعية السياسية أقرب إلى أداء السيادة في بلد لا يمتلك الأدوات الفعلية للسيادة. دولة لا تستطيع السيطرة على الفصائل المسلحة داخل حدودها، ولا منع الطائرات المسيرة التي تُطلق من أراضيها، تجد نفسها حتماً في وضع هش للغاية عندما تحاول مخاطبة قوة عظمى بلغة الاحتجاج.
يبدو الحديث عن “موقف حازم وصلب في الحفاظ على السيادة” منفصلاً عن واقع موثق يومياً في الصحافة الغربية: سيادة مجزأة بين واشنطن وطهران والفصائل؛ ودولة تحاول أن تبدو كدولة بينما تتسرب قراراتها الأمنية من بين أصابعها.
تشن الفصائل المدعومة من إيران هجمات شبه يومية على المصالح الأمريكية داخل العراق، دون أن تتمكن الحكومة من ردعها، كما وثقت تقارير من خدمة البث العامة (PBS)، التي تصف العراق بأنه “عالق في تبادل النيران” بين قوتين تتبادلان الضربات على أراضيه، بينما الحكومة “تفقد السيطرة على مسار الأحداث” مع استمرار الهجمات المتبادلة على أراضيها.
في هذا المشهد، يصبح العراق دولة محاصرة وضائعة، بينما يتحدث السوداني عن “السيادة” بطريقة تستحق الشفقة السياسية. تصف وسائل الإعلام الدولية العراق بأنه “ساحة معركة ذات اتجاهين”، حيث تحاول بغداد بشدة التوازن بين قوتين لا تستطيع تحمل غضبهما. إيران توسع ساحة الحرب من خلال وكلائها، والولايات المتحدة تستجيب بضربات دقيقة، بينما ليس لدى الحكومة العراقية سوى لغة البيانات.
يتعرض العراق للضرب من كلا الجانبين، وهناك جهة ثالثة، وهي الوالي (الموالية لإيران) داخل العراق، تقوم أيضاً بقصف العراق نفسه—وهذا هو مصدر الكوميديا السياسية. إنها الدولة الوحيدة في هذا الصراع التي تتعرض لنيران متبادلة من جميع الاتجاهات، مما يجعل أي حديث عن “إبقاء العراق بعيداً عن الحرب” أقرب إلى التفكير السياسي الرغائبي منه إلى القدرة الفعلية.
في قلب هذه المفارقة يكمن السؤال الأكثر إحراجاً: كيف يمكن لحكومة لا تستطيع استدعاء أو محاسبة قادة الميليشيات أن تستدعي القائم بالأعمال الأمريكي وتلوح بمذكرة احتجاج؟ واشنطن قوة خارجية يمكن مخاطبتها دبلوماسياً. أما الفصائل، فهي قوة مسلحة داخلية، متجذرة بعمق في مؤسسات الدولة، ولها تأثير سياسي واقتصادي وعسكري يتجاوز بكثير قدرة الحكومة على السيطرة عليها. الاحتجاج ضد واشنطن سهل، لأنه آمن سياسياً. أما الاحتجاج ضد الفصائل فهو مستحيل، لأنه مكلف وجودياً.
لغة البيان—”موقف حازم وصلب”، “الحفاظ على السيادة”، “جريمة شنيعة”، “أفعال غير مسؤولة”—لا تغير من حقيقة أن السيادة تُنتهك من الداخل قبل أن تُنتهك من الخارج، وأن صنع القرار الأمني مجزأ بين عدة فاعلين، وأن الحكومة أكثر اهتماماً بالحفاظ على صورة الدولة من ممارسة السلطة الفعلية. إنها لغة تُستخدم لسد الفجوة بين ما ينبغي أن تكون عليه الدولة وما هي عليه فعلياً.
قبل أن يتعهد السوداني بمعاقبة “مجموعة جبانة”—دون تسميتها—وراء الهجوم القاتل على مقر جهاز المخابرات في بغداد ومقتل أحد ضباطه، أعلن أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة الانتهاكات ضد مؤسسات الدولة. لكن لا أحد، بما في ذلك الأقربون إلى السوداني نفسه، يصدق حقاً هذا التعهد.
الاستنتاج هو أن الاحتجاج العراقي ضد الولايات المتحدة يشبه رفع الصوت في غرفة لا أحد يستمع فيها، بينما الأصوات الحقيقية – صرير الطائرات المسيرة وزئير الصواريخ – تُطلق من داخل العراق نفسه، دون أن تكون لدى الحكومة القدرة على إسكاتها.
البيان هو محاولة سياسية لتسجيل موقف، لكنه لا يغير من الواقع أن العراق اليوم ليس هو صانع القرار الوحيد على أرضه، وأن “السيادة” التي يتحدث عنها السوداني أقرب إلى مفهوم نظري منها إلى حالة فعلية.

