أثارت التصريحات الإماراتية جدلاً—خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي—حول كيفية إعادة أبوظبي ترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية في مرحلة ما بعد الحرب مع إيران.
ومن بين هذه التصريحات ما كتبه أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، على منصة X، مشيراً إلى أن الإمارات ستعيد مراجعة خريطة علاقاتها “بعناية” لتحديد “من يمكن الاعتماد عليه”، مضيفاً أن هذه التقييمات ستشمل أيضاً “هيكلة اقتصاد ونظام مالي” يعززان من مرونة النموذج الإماراتي.
بالتوازي مع الخطاب الرسمي، توسعت المناقشات على وسائل التواصل الاجتماعي حول مواقف الدول العربية خلال الحرب. وفي هذا السياق، يأتي ما نشره الكاتب الإماراتي جمال سند السويدي، منتقداً الدول العربية التي، كما قال، “وقفت مع إيران أو ظلت محايدة.” وأضاف في منشور آخر أن دولة عربية غير مسماة تلقت دعماً خليجياً واسعاً ثم اتخذت موقفاً مختلفاً خلال الحرب.
تستمد هذه الصلابة في إعادة تقييم الشركاء سياقها أيضاً من تكلفة الحرب نفسها على الإمارات، التي يبدو—استناداً إلى ما تم الكشف عنه علناً حتى الآن—أنها كانت الأكثر تعرضاً للهجمات بين دول الخليج. وقد أفادت أحدث حصيلة عسكرية إماراتية حتى 9 أبريل، بعد يوم واحد من بدء وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، باعتراض 537 صاروخاً باليستياً، و26 صاروخاً مجنحاً، و2,256 طائرة مسيرة، مع 224 إصابة و13 وفاة، بما في ذلك اثنان من أفراد القوات المسلحة. كما أدت الحرب إلى تعطيل تدفقات الطاقة في المنطقة، ووفقاً لبيانات رويترز وكبلر، أدت إلى فقدان أكثر من 500 مليون برميل من النفط والمكثفات وخسائر تجاوزت 50 مليار دولار خلال خمسين يوماً. وفي الوقت نفسه، استمر إغلاق مضيق هرمز والاضطرابات المحيطة به في الضغط على التجارة والأسعار وسلاسل الإمداد.
يقول الدكتور سالم الكتبي، متخصص في العلوم السياسية، إن الإمارات اليوم تتبنى “براغماتية واضحة” في إدارة علاقاتها الخارجية، مضيفاً أن العلاقات لم تعد تستند إلى تاريخ مشترك أو وعود دبلوماسية غير مجربة، بل على معيار أساسي: “من وقف معنا عندما كنا بحاجة إليه؟” وفقاً للكتبي، فإن هذا المعيار يحدد الآن من يدخل دائرة الثقة ومن يبقى خارجها.
أحد الإشارات الملحوظة لهذا التحول هو استخدام الخطاب الرسمي الإماراتي لمصطلح “شقيقة” عند الإشارة إلى كوريا الجنوبية—وهو مصطلح يرتبط تقليدياً في الخطاب الرسمي العربي بالدول العربية، وأحياناً الإسلامية. ومع ذلك، يعتقد محمد خلفان السويدي، باحث في الشؤون الخليجية، أن هذا لا يغير من أولوية الدائرة الخليجية بالنسبة للإمارات. ويشير إلى أن الدول الست في مجلس التعاون الخليجي تبقى الأقرب، على الرغم من بعض الاختلافات في تقييم التهديدات، لأن الأمن الخليجي “غير قابل للتجزئة”، ولأن الحرب أظهرت أن جميع دول الخليج تبقى ضمن نطاق الاستهداف الإيراني.
يضيف السويدي أن معيار الثقة لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يشمل أيضاً استعداد الشريك لتزويد حليفه، كما يقول، “بمعرفة كاملة عن نوع التكنولوجيا المستخدمة في الأسلحة وغيرها من الأدوات التي تعزز الحليف.” ويعتقد أن الولايات المتحدة تفعل ذلك أكثر من غيرها.
تجد هذه المنطق بعض جذورها في مسارات سابقة، بما في ذلك علاقة الإمارات مع إسرائيل بعد اتفاقيات أبراهام، التي امتدت بسرعة إلى تكنولوجيا الدفاع والأمن. منذ عام 2022، ظهر عقد دفاعي بقيمة 53 مليون دولار لتزويد القوات الجوية الإماراتية بأنظمة دفاعية. وتبع ذلك في عام 2023 الإعلان عن أول تدريب بحري ثنائي وكشف عن سفينة غير مأهولة تم تطويرها بشكل مشترك، ثم مشاركة 34 شركة إسرائيلية في معرض الدفاع IDEX في أبوظبي.
كما ينعكس هذا المنطق في ربط الإمارات مراجعتها للعلاقات بمرونة نموذجها الاقتصادي والمالي. وبناءً عليه، فإن “دوائر الثقة” لا تقتصر على الدفاع والتكنولوجيا، بل تمتد إلى شبكات التمويل، والبنية التحتية الرقمية، والموانئ، وأنظمة الحوسبة، مما يعكس التداخل بين الاقتصاد والأمن الوطني.
The Hormuz Test
في مضيق هرمز، انتقلت “دوائر الثقة” من مستوى الخطاب إلى الاختبار العملي. يعتقد الكتبي أن الدول التي تحركت جنبًا إلى جنب مع الإمارات لحماية الطرق البحرية “ارتفعت في تصنيف الثقة، بينما تراجعت دول أخرى اختارت الصمت أو المناورة. تكتسب هذه القراءة وزنًا أكبر لأن الإمارات لم تقتصر على الدعوة للحفاظ على فتح المضيق، بل أعلنت أن أي تسوية مع إيران يجب أن تضمن حرية استخدامه، وأنه “لا يمكن أن يُحتجز كرهينة” من قبل أي دولة. كما أفادت تقارير في 27 مارس أن الإمارات أبلغت واشنطن وحلفاءها الغربيين عن استعدادها للمشاركة في قوة متعددة الجنسيات لإعادة فتح المضيق، بينما تدفع نحو إنشاء “قوة أمن هرمز” ومنح أي قوة مستقبلية غطاءً قانونيًا من خلال مجلس الأمن الدولي.
تزداد أهمية هذا الموقف لأن حوالي 20 مليون برميل من النفط تمر عبر المضيق يوميًا – حوالي 20% من استهلاك الوقود السائل العالمي – بالإضافة إلى حوالي خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. وبالتالي، لم يعد هرمز مجرد ملف أمني أو ممر بحري، بل أصبح ساحة عملية تختبر فيها الإمارات قوة شراكاتها وقدرة حلفائها على حماية التجارة والطاقة واستمرارية الاقتصاد في لحظة إقليمية مضطربة للغاية.

