لقد أدت التصعيدات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى اختبار ضغط غير مسبوق على الأنظمة المالية الإقليمية، مما أجبر السلطات الحكومية على الانقسام بشكل حاد في كيفية إدارة توقعات السوق.
بينما تضغط الحروب النظامية على اقتصادات الخليج، تعكس الخيارات الاستراتيجية وراء شفافية الدولة مراحل مختلفة من التنويع والقوة المالية. كيف ستؤطر الدول الفردية هذه الأزمة سيحدد مصداقيتها على المدى الطويل، خاصة مع الضغوط المحلية التي تفرضها الحروب على اقتصادات الخليج، مما يجبر على إعادة تقييم صارمة لاستقرار سلاسل الإمداد الإقليمية.
الضغوط الحربية تؤثر مباشرة على اقتصادات الخليج
منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير، واجهت اقتصادات الخليج ضغوطًا متزايدة نتيجة الاضطرابات في أسواق الطاقة وتعطيل طرق الشحن الإقليمية. وقد زادت الضغوط مع تباطؤ حركة المرور عبر مضيق هرمز — الممر المائي الضيق الذي يحمل حوالي خُمس تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال — إلى حد شبه التوقف، مما أثار قلق المصدرين عبر الخليج.
ومع ذلك، بينما واجهت حكومات المنطقة العديد من نفس الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية، اعتمدت نهجًا مختلفًا بشكل ملحوظ في وصف العواقب للجمهور والمستثمرين. اعترفت بعض الدول بشكل علني بتوسع العجز، وتباطؤ النمو، والضغط على إيرادات النفط. بينما أكدت دول أخرى على ربحية الشركات، والقدرة على الصمود في القطاعات غير النفطية، وعلامات التوسع الاقتصادي المستمر، حتى في الوقت الذي خفضت فيه المؤسسات الدولية توقعات النمو الإقليمي.

العجز المالي كضغط حربي على اقتصادات الخليج
في المملكة العربية السعودية، أظهرت بيانات وزارة المالية أن العجز في الميزانية بلغ 125.7 مليار ريال، أو حوالي 33.5 مليار دولار، خلال الربع الأول من عام 2026 — وهو رقم يقترب من العجز السنوي المتوقع للحكومة والذي يبلغ حوالي 44 مليار دولار. وقد جاء ارتفاع الإنفاق في الوقت الذي سعت فيه الرياض إلى حماية الاقتصاد من آثار عدم الاستقرار الإقليمي والحفاظ على الزخم وراء مشاريع التنمية الكبرى المرتبطة برؤية 2030. في الوقت نفسه، أظهرت الأرقام الرسمية أن إيرادات النفط السعودية انخفضت بنحو 3 في المئة على أساس سنوي على الرغم من ارتفاع أسعار النفط العالمية، مما يشير إلى أن التداعيات الاقتصادية قد امتدت إلى ما هو أبعد من أسعار النفط وحدها لتشمل اضطرابات الشحن، وتكاليف التأمين، والقيود اللوجستية التي تؤثر على الصادرات.
انكماشات حادة في العرض وضغوط الحرب على اقتصادات الخليج
بدت الصورة الاقتصادية في قطر أكثر حدة. سجلت البلاد عجزًا تجاريًا بلغ حوالي 4.39 مليار ريال في مارس، وفقًا لبيانات بلومبرغ التي صدرت في أبريل — وهو أول عجز شهري منذ سنوات. كما خفض صندوق النقد الدولي بشكل حاد توقعاته للاقتصاد القطري، متوقعًا انكماشًا بنسبة 8.6 في المئة هذا العام. تعرضت قطر لضربة مباشرة بعد أن استهدفت ضربات إيرانية مجمع راس لفان للغاز الطبيعي المسال، أحد أهم الأصول الاقتصادية في البلاد. وقالت السلطات القطرية إن الهجمات ألحقت ضررًا بنحو 17 في المئة من قدرة الإنتاج في المنشأة، مع توقعات بأن تستغرق الإصلاحات سنوات.
في حين توقعت الكويت عجزًا قدره 9.8 مليار دينار، أو حوالي 32.1 مليار دولار، في مشروع ميزانيتها للسنة المالية 2026-2027، إلى جانب انخفاض في الإيرادات المتوقعة. وفقًا لتقديرات وزارة المالية الكويتية، من المتوقع أن تنخفض إيرادات النفط – التي تمثل نحو أربعة أخماس دخل الحكومة – بشكل حاد عن السنة المالية السابقة، مما يعكس آثار التقلبات في أسواق النفط والاضطرابات المرتبطة بالصراع.

— محظور للاستخدام التسويقي – يجب ذكر المصدر “صورة من وكالة فرانس برس / HO / حكومة دبي” – لا حملات تسويقية أو إعلانات – موزعة كخدمة للعملاء — (صورة بواسطة HO / حكومة دبي / وكالة فرانس برس)
الضغوط الحربية على اقتصادات الخليج تم تخفيفها بفعالية
لكن الصورة بدت مختلفة في الإمارات العربية المتحدة والبحرين. لم تسجل أي من الدولتين عجزًا ماليًا خلال الربع الأول، حتى بعد أن خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو لكلا الاقتصادين. من المتوقع الآن أن ينكمش الاقتصاد البحريني قليلاً هذا العام، بينما من المتوقع أن يتباطأ النمو في الإمارات. ومع ذلك، استمرت الشركات الإماراتية الكبرى في الإبلاغ عن أرباح قوية. أعلنت مجموعة الإمارات عن ارتفاع في الأرباح السنوية، بينما أفادت شركة أدنوك للخدمات اللوجستية أن هوامشها زادت في الربع الأول.
الاتصالات المتباينة تعكس الضغوط الحربية على اقتصادات الخليج
يقول الاقتصاديون إن هذا التباين يعكس أكثر من مجرد اختلافات في التعرض الاقتصادي للصراع. كما يكشف عن حسابات سياسية واقتصادية متباينة حول كيفية رغبة الحكومات في الخليج في تقديم نفسها خلال فترة من عدم اليقين الإقليمي. قال علي الحميدي، وهو اقتصادي عماني، إن الاعتراف العام بالعجز والضغط المالي يمكن، في بعض الحالات، أن يعزز ثقة المستثمرين بدلاً من إضعافها. وأضاف في تصريحات لقناة الحرة: “بعض اقتصادات الخليج في وسط برامج تحول واسعة النطاق تتطلب إنفاقًا رأسماليًا كبيرًا”.
“لقد انتقل آخرون بالفعل نحو نماذج اقتصادية متنوعة ويبدؤون في تحقيق عوائد أكثر استقرارًا من القطاعات غير النفطية.” وفقًا للحميدي، لا تزال المملكة العربية السعودية وقطر منخرطتين بعمق في مشاريع البنية التحتية واللوجستيات طويلة الأجل التي تستمر في استيعاب كميات كبيرة من الإنفاق الحكومي، بينما تستفيد الإمارات العربية المتحدة – وخاصة دبي – من اقتصاد يتركز بشكل أكبر على التجارة والسياحة والخدمات المالية.
[caption id="attachment_20657" align="alignleft" width="1500"]
تعتبر اقتصادات الخليج من بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم. (AFP)
قال عوض الناصفي، مستشار اقتصادي وأستاذ في المالية والمحاسبة، إن النموذج السعودي يعتمد على الإنفاق العام الواسع الذي يهدف إلى خلق اقتصاد أكثر تنوعًا مع مرور الوقت، حتى لو وضع ضغطًا على المالية العامة في المدى القصير عندما تضعف عائدات النفط. على النقيض من ذلك، قال إن القاعدة الأوسع غير النفطية في الإمارات – بما في ذلك السياحة والعقارات والخدمات الرقمية والمالية – جعلتها أقل عرضة لتقلبات أسواق النفط وأكثر قدرة على الحفاظ على الاستقرار المالي خلال الأزمات الإقليمية. بالنسبة لجمال بانون، اقتصادي سعودي، فإن الاختلافات عبر الخليج لا تمثل بالضرورة رؤى اقتصادية متنافسة بقدر ما تمثل مراحل مختلفة من الانتقال الاقتصادي.
أشار إلى أن قطر لا تزال تحتفظ باحتياطيات كبيرة وأصول ثروة سيادية على الرغم من عجزها المتزايد، بينما تفاقمت الصعوبات المالية في الكويت بسبب النزاعات السياسية التي أجلت الموافقة على قانون الدين العام الذي تم مناقشته لفترة طويلة. لقد أصبح النقاش حول الشفافية أكثر أهمية مع تنافس حكومات الخليج على الاستثمار الأجنبي في منطقة تتشكل بمخاطر الحرب وتقلبات الطاقة وتباطؤ النمو العالمي. وقد اختارت بعض الحكومات تقديم حسابات مفصلة عن العجز والضغط الاقتصادي كدليل على المصداقية المؤسسية والانضباط المالي.
ركز آخرون على سرد قصص الصمود والربحية والاستمرارية في محاولة لتعزيز سمعتهم كوجهات استثمارية مستقرة. لعقود، كانت دول الخليج تتحرك غالبًا بتنسيق نسبي بشأن القضايا الاقتصادية والسياسية. لكن المحللين يقولون إن الأزمة الحالية قد كشفت عن مشهد إقليمي أكثر تفتتًا، حيث تسعى الحكومات بشكل متزايد إلى متابعة أولوياتها الاقتصادية الخاصة وصياغة رواياتها العامة حول المخاطر والصمود والاستقرار.

