إن التباين بين حملة التحديث الداخلية في المملكة العربية السعودية وترتيباتها الأمنية الخارجية يكشف عن مفارقة استراتيجية عميقة. بينما تفرض الرياض قمعًا صارمًا على الإسلام السياسي داخليًا لحماية رؤية 2030، فإن الضرورات الجيوسياسية قد أجبرت المملكة على الدخول في مقامرة إسلامية عالية المخاطر في مسارح محيطية. هذه المرونة التشغيلية المحسوبة تعرض لخطر خلق تأثير عدوى أيديولوجية، مما يحول مقامرة الدولة الإسلامية المعاملاتية إلى عبء طويل الأمد قد يشرع الشبكات التي تسعى للقضاء عليها.

المقامرة الإسلامية: البراغماتية المحيطية
في الداخل، قدم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نفسه كقائد مصمم على الانفصال عن الإسلام السياسي. وقد ركز على بناء اقتصاد جديد، وتشكيل دولة أكثر قومية، وخلق مجتمع أقل هيمنة من قبل الحركات الدينية الأيديولوجية. ومع ذلك، في الخارج – وخاصة في اليمن والسودان – ظهرت تناقضات لافتة. الرياض، التي تصنف جماعة الإخوان المسلمين كتهديد لاستقرار الدولة، تجد نفسها مرة أخرى تتعامل مع فصائل مرتبطة بالإخوان. هذه ليست مجرد براغماتية. إنها تسوية تعرض الأسس نفسها للمشروع السعودي الجديد للخطر.

التنقل في المقامرة الإسلامية في اليمن
في اليمن، تعتبر علاقة المملكة العربية السعودية مع حزب الإصلاح (النسخة المحلية من الإخوان المسلمين) ليست مجرد تفصيل بسيط. وقد وصف معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى علاقات الرياض مع الإصلاح بأنها “استثنائية”، بالضبط لأنها تختلف عن عداء المملكة الأوسع تجاه جماعة الإخوان المسلمين. وأشار المعهد إلى أن السعوديين وحزب الإصلاح (السني) قد حافظوا على شراكة طويلة ضد الحوثيين (الشيعة)، حيث تتبع الرياض سياسة دمج محدودة للإصلاح في التحالف المناهض للحوثيين. هذه هي جوهر المشكلة.
بالتعاون مع الإصلاح، لا تبني المملكة العربية السعودية دولة يمنية مستقرة. بل إنها تعيد إنتاج نفس الصيغة للاضطراب المستمر: ميليشيا أيديولوجية في الشمال، وحركة إسلامية متجذرة داخل مؤسسات الدولة، وصراع مفتوح في الجنوب.
الأكثر إزعاجًا، أن هذه السياسة قد شقّت معسكر مكافحة الحوثيين نفسه. تسعى المملكة العربية السعودية إلى يمن موحد مع حكومة مركزية قادرة على تأمين الحدود والحد من النفوذ الإيراني.
على النقيض من ذلك، ترى الإمارات العربية المتحدة أن القوى المرتبطة بالإخوان المسلمين في اليمن تشكل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، وقد دعمت الفصائل الجنوبية لموازنتها. وفقًا لتحليل أعده معهد الدراسات الوطنية للأمن، أصبح هذا الفجوة بين الرياض وأبوظبي واحدة من الساحات المحددة للتنافس الإقليمي. وقد أشار التقرير إلى أن المملكة العربية السعودية أظهرت في بعض الأحيان استعدادها للعمل مع الحركات الإسلامية عندما لا ترى بديلًا قابلًا للتطبيق – على عكس الرفض شبه التام من الإمارات للإخوان. في جنوب اليمن، تصبح القضية أكثر حساسية.
تقرير رويترز يفيد بأن المملكة العربية السعودية أعلنت عن مشاريع تنموية بقيمة حوالي 500 مليون دولار في جنوب اليمن بعد انسحاب الإمارات وتراجع نفوذ الانفصاليين المدعومين من الإمارات، مما يعكس سياسة سعودية أكثر حزمًا لتوحيد السلطة في المناطق التي كانت تُعتبر تاريخيًا جزءًا من دائرة نفوذ أبوظبي. وتلاحظ وكالة أسوشيتد برس أن الرياض ضغطت على المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، بينما أكدت دعمها للقوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
سياسيًا، يعني هذا أن المملكة العربية السعودية لم تعد تدير الحرب ضد الحوثيين فحسب. بل إنها تعيد تشكيل جنوب اليمن وفقًا لتوازن القوى الخاص بها – حتى لو كان ذلك يضعف الفصائل الجنوبية المناهضة للإخوان ويخلق مساحة أكبر للإصلاح وحلفائه.
السؤال، إذن، يصبح لا مفر منه: هل تسعى الرياض إلى كسب ود الإخوان المسلمين في اليمن من أجل الحفاظ على ولاء الحكومة المعترف بها دوليًا، أم أنها تقدم للحركة فرصة ذهبية للعودة من خلال آليات الدولة؟
هناك فرق شاسع بين استخدام حزب سياسي في سياق الحرب والسماح له بأن يصبح القناة الرئيسية للتأثير السعودي. الأول هو تكتيك؛ والثاني هو اعتماد. التاريخ يشير إلى أن الإخوان المسلمين لا يدخلون المؤسسات الحكومية كضيوف مؤقتين. بل يعملون كمنظمة صبورة قادرة على تحويل الضرورة العسكرية إلى تأثير بيروقراطي، والتأثير البيروقراطي إلى شرعية سياسية، والشرعية السياسية إلى قوة موازية.
في السودان، المعضلة ليست أقل خطورة. لقد صنفت الولايات المتحدة الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين ككيان إرهابي عالمي محدد بشكل خاص، وتنوي تصنيفه كمنظمة إرهابية أجنبية اعتبارًا من 16 مارس 2026، وفقًا لوكالة رويترز ووزارة الخزانة الأمريكية.
تواجه هذه التطورات جميع المعنيين في الصراع السوداني مع معضلة. هل يجب تجاهل اختراق الفصائل الإسلامية للجيش السوداني (واحد من المؤسسات القليلة المتبقية القابلة للحياة في البلاد) من أجل تحقيق دولة مستقرة؟
تكشف تحقيقات رويترز المفصلة أن الإسلاميين السودانيين المرتبطين تاريخيًا بنظام عمر البشير يسعون إلى إعادة تأهيلهم السياسي من خلال دعم الجيش خلال الحرب. بعض القادة الإسلاميين، وفقًا للتقرير، يرون أن الانتقال العسكري الممتد، يليه انتخابات، هو طريق قابل للحياة للعودة إلى السلطة. وفقًا للتقرير، ساهمت الشبكات الإسلامية بمقاتلين وتدريب ودعم لوجستي للجهود الحربية، حتى في الوقت الذي ينفي فيه الجيش التنسيق مع الأحزاب السياسية. هذه ليست مجرد قضية محلية سودانية. إنها تحذير إقليمي. أي دولة تراهن على جيش متغلغل بعمق من قبل فصائل أيديولوجية قد تكتشف في النهاية أن الإسلاميين يتحكمون في مفاتيح السلطة من وراء الكواليس.
وفقًا لمعهد الدراسات الأمنية الوطنية، تدعم السعودية عبد الفتاح البرهان والجيش السوداني من أجل الحفاظ على تأثيرها في دولة البحر الأحمر الاستراتيجية، بينما تدعم الإمارات القوات المسلحة السريعة المنافسة. من منظور الأمن البحري والتنافس مع أبوظبي، قد يبدو مثل هذا السياسة مفهومة. ولكن من منظور مستقبل السعودية على المدى الطويل، تحمل هذه السياسة خطرًا واضحًا: دعم الجيش السوداني دون تفكيك التأثير الإسلامي داخله قد يمكّن فعليًا النسخة السودانية من الإخوان المسلمين – حتى لو لم يكن ذلك هو الهدف المعلن للرياض.
هنا يتضح التناقض المركزي في سياسة ولي العهد: حملة داخلية ضد الإسلام السياسي مقترنة ببراغماتية في السياسة الخارجية تعيد فتح الباب له.
المقامرة الإسلامية: المخاطر العابرة للحدود
في الرياض، يتم تصوير الإخوان المسلمين كتهديد للدولة الوطنية. في صنعاء، عدن، مأرب، الخرطوم، وبورتسودان، تُعتبر شبكاتهم، وحلفاؤهم، والمفكرون المتعاطفون معهم أدوات تأثير. هذه التناقضات لا تبقى خارج حدود المملكة. الأفكار لا تحتاج إلى جوازات سفر، والحركات العابرة للحدود نادراً ما تميز بين “الساحة الخارجية” و”الساحة الداخلية” إلا عندما يخدم ذلك مصالحها.
الخطر الأول على السعودية هو الشرعية الأيديولوجية. عندما تشن الدولة حرباً على خطاب الإخوان المسلمين في الداخل بينما تتماشى مع حلفائهم في الخارج، فإنها تمنح النقاد حجة قوية: لماذا يُعتبر الإسلام السياسي تهديداً في الرياض ولكنه شريكاً ضرورياً في اليمن أو السودان؟
هذا السؤال وحده كافٍ لتعقيد السرد الوطني الجديد للسعودية، وضعف خطاب الدولة الحديثة، وخلق فرصة لمناصري “المصالحة”، و”التكيف”، وإعادة الدمج السياسي.
الخطر الثاني هو ردود الفعل الأمنية. اليمن ليس بلداً بعيداً؛ إنه الجناح الجنوبي للسعودية. السودان ليس قضية هامشية؛ إنه بوابة البحر الأحمر والعمق الاستراتيجي الأفريقي. إذا أصبحت القوات المرتبطة بالإخوان المسلمين في كلا البلدين شركاء متجذرين من خلال الدعم، أو الغطاء السياسي، أو التفاهمات الضمنية، فقد تواجه السعودية في النهاية شبكات تمتلك المال، والأسلحة، والخبرة القتالية، والنفوذ الاجتماعي، والقدرة السياسية. والأسوأ من ذلك، أن تلك الشبكات ستعرف بالضبط كيف استعادت موطئ قدمها: من خلال نقاط ضعف السياسة السعودية نفسها.
الخطر الثالث هو تفكك التحالفات الخليجية. لم يعد التباين بين السعودية والإمارات في اليمن والسودان مجرد مسألة تكتيكية. لقد تطور إلى منافسة حول كيفية تعريف التهديد نفسه. ترى الإمارات أن الإخوان المسلمين يمثلون تحدياً هيكلياً ووجودياً. بينما تعاملت السعودية، في لحظات حاسمة، مع الفاعلين المرتبطين بالإخوان كأدوات مؤقتة لمواجهة الحوثيين، وتعزيز الجيش السوداني، أو موازنة النفوذ الإماراتي.
قد تكون تكلفة هذا التباين كبيرة: انشقاقات داخل الكتلة الخليجية، عدم استقرار عبر البحر الأحمر، وقدرة متناقصة بين العواصم الخليجية لبناء جبهة موحدة ضد إيران والحركات الراديكالية.
يتطلب مثل هذا المشروع بيئة إقليمية متوافقة مع تلك التحولات، وليس أحزمة أيديولوجية من عدم الاستقرار تحيط بحدود المملكة. لا يمكن للسعودية بناء نيوم، والقدية، وممر السياحة في البحر الأحمر بينما تظل اليمن مفتوحة أمام الفصائل الأيديولوجية المتنافسة. كما لا يمكن تأمين التجارة البحرية والاستثمار في البحر الأحمر إذا تطور السودان ليصبح ساحة لعودة الإسلاميين، وشبكات الأسلحة الإيرانية، واقتصادات الحرب.

العواقب الاستراتيجية للمقامرة الإسلامية
حدود البراغماتية لا يعني أي من هذا أن على السعودية أن تتخلى عن اليمن للحوثيين، أو أن تتخلى عن السودان للفوضى، أو أن تتصرف بشكل مثالي في منطقة قاسية. النقطة ليست الخلط بين التكتيكات والاستراتيجية. قد يكون التفاوض مع جميع الأطراف ضروريًا في بعض الأحيان. ولكن لا يمكن لأي استراتيجية للأمن القومي الاعتماد بشكل مستدام على حركات أظهرت مرارًا وتكرارًا أن التزامها بالدولة الوطنية مشروط بتقدم مشروعها الأيديولوجي الخاص.
الإخوان المسلمون لا يصبحون “معتدلين” لمجرد أنهم تحت الضغط. ولا يصبحون “وطنيين” لمجرد أنهم يحتاجون إلى تمويل أو غطاء سياسي. تنتظر مثل هذه الحركات لحظات التمكين. وعندما تصل تلك اللحظات، لا يشكرون أولئك الذين فتحوا لهم الباب؛ بل يغيرون الأقفال.
لهذا السبب، فإن أكبر تهديد قد تواجهه السعودية ليس هجومًا مباشرًا من الخارج، بل سياسة خارجية تعتقد أنها تشتري الولاء بينما تمول النفوذ؛ تعتقد أنها تحتوي الإخوان بينما تعيد تأهيلهم؛ تعتقد أنها تدير التوازنات الإقليمية بينما تعطي خصوم تحولها الداخلي فرصة للعودة عبر الحدود الجنوبية والغربية للمملكة. ولي العهد الذي يسعى لبناء سعودية جديدة لا يمكنه شن حرب ضد الإسلام السياسي في الداخل بينما يتساهل معه على الأطراف. الدولة التي تقمع أيديولوجية في الرياض بينما تحييها في مأرب والخرطوم تزرع بذور التناقض في قلب مشروعها الخاص.
الخلاصة واضحة: استمالة الإخوان أو بيئاتهم المرتبطة في اليمن والسودان ليست عبقرية استراتيجية. إنها مقامرة على المدى الطويل.
قد توفر السياسة مكاسب مؤقتة: نفوذ ضد الحوثيين، تأثير في جنوب اليمن، موطئ قدم في السودان، أو توازن ضد الإمارات العربية المتحدة. لكنها قد تنتج أيضًا خطرًا أكبر بكثير: عودة الإسلام السياسي إلى الساحة الإقليمية من خلال بوابة سعودية، وتعريض الأمن الوطني السعودي لمنظمات تتفوق في الصبر، والتسلل، والاستيلاء المؤسسي.
لا تحتاج المملكة العربية السعودية إلى “إخوان مسلمون مروضون”. بل تحتاج إلى استراتيجية متماسكة لا تترك أي فجوة بين خطابها الداخلي وحساباتها في السياسة الخارجية — لا تترك أي منفذ يمكن من خلاله أن يعود التهديد الذي تسعى إلى هزيمته بهدوء.

