على مدى أكثر من أربعين عامًا، استندت المنظومة الأمنية في الخليج الفارسي بشكل أساسي إلى صفقة بسيطة: الدول العربية المنتجة للنفط تحافظ على تدفق النفط بشكل مستمر، وفي المقابل، تعد الولايات المتحدة بحمايتها. لم تشكل هذه الترتيبات “النفط مقابل الأمن” العلاقات الأمريكية مع شركائها العرب فحسب، بل ساعدت أيضًا في الحفاظ على أسواق الطاقة العالمية هادئة وقابلة للتنبؤ نسبيًا.
لكن ما نشهده الآن، في ما يسمى “الحرب الخليجية الثالثة” بين جانب الولايات المتحدة–إسرائيل وإيران، قد دمر هذا النموذج القديم. وقد لا يعود.
هذه ليست مجرد تصعيد آخر في منطقة ليست غريبة عن الصراع. بل يبدو أنها بمثابة إنذار صارخ، يكشف عن الفجوة المتزايدة بين ما تقوله واشنطن وما تقدمه فعليًا على الأرض.
ربما لم تكن أمريكا ببساطة تمتلك القدرة الكاملة لبناء دفاع محكم ضد هذا النوع من الهجمات. أو ربما، مع ميل إدارة ترامب الثقيل نحو “إسرائيل أولاً”، لم يكن لديها الإرادة السياسية. في كلتا الحالتين، الرسالة إلى الحلفاء العرب واضحة وصريحة: ضمان الأمن الأمريكي لم يعد مضمونًا. بل إنه لم يعد حتى قابلًا للتنبؤ بشكل موثوق.
ما يحول هذا من خيبة أمل عابرة إلى تحول هيكلي حقيقي هو كيف يتماشى مع التغيرات الأكبر في كيفية رؤية أمريكا للعالم. أصبحت واشنطن مشغولة بشكل متزايد بالصين، متعبة من ضخ الموارد في التزامات لا نهاية لها في الشرق الأوسط، ومتشوقة لترك اللاعبين المحليين يتحملون المزيد من عبء الأمن. في هذه الصورة الأكبر، حتى الحرب الشاملة في الخليج لم تكن كافية لدفع المنطقة إلى أعلى قائمة الأولويات.
قد تكون اللحظة الأكثر دلالة في الصراع بأكمله ليست أي اشتباك في ساحة المعركة، بل ما حدث حول مضيق هرمز. حيث هددت إيران بجدية بإغلاق تلك النقطة الحرجة – الشريان الرئيسي للعالم للنفط والغاز. في الماضي، كان من الممكن اعتبار هذا النوع من التحركات خطًا أحمر مطلقًا. لكن هذه المرة، كانت ردود فعل أمريكا خافتة وغير حاسمة. هذا الت restraint يقول الكثير: حتى عندما تكون المصالح المشتركة الأساسية على المحك، لم يعد بالإمكان الاعتماد على تدخل أمريكي سريع وشامل.
في الوقت نفسه، لم تحقق المحاولات لسد الفجوة من خلال الاقتراب من إسرائيل نوع الحماية الشاملة التي كان يأمل فيها البعض. بالتأكيد، انتقلت بعض الدول العربية نحو التعاون الأمني مع إسرائيل في السنوات الأخيرة. لكن الحرب أظهرت الحدود. تمتلك إسرائيل قوة عسكرية مثيرة للإعجاب، لا شك في ذلك – لكنها ليست في موقع جغرافي، ولا مزودة عقائديًا، للتعامل مع احتياجات الدفاع الواسعة والمتعددة الطبقات لدول الخليج.
من الجانب الإيراني، لعبت طهران أوراقها غير المتناظرة بشكل فعال. فقد أدت الصواريخ الدقيقة، وسرب الطائرات المسيرة، والتهديدات في البحر إلى تكاليف حقيقية للبنية التحتية الإقليمية وأظهرت أن التفوق التقليدي الخام لا يساوي بالضرورة الهيمنة في ساحة المعركة.
الأهم من ذلك، أن إيران حولت الرابط بين الأمن الإقليمي واستقرار الطاقة إلى رافعة قوية – واحدة تبدو أكثر حدة لأن الولايات المتحدة لم تستجب بقوة ساحقة.
بالنسبة لدول الخليج العربية، من الصعب تجنب الاستنتاج: حان الوقت لإعادة التفكير بجدية في كيفية تعاملها مع أمنها الخاص. الاعتماد على قوة خارجية – حتى لو كانت الأقوى – كحماية نهائية لم يعد يبدو مستدامًا. وهذا يترك بعض الخيارات الصعبة في المستقبل: تعزيز قدراتها الدفاعية الخاصة، توسيع الشراكات عبر المزيد من الدول، استكشاف أطر جديدة للأمن الإقليمي، أو حتى تعديل نهجها تجاه إيران نفسها.
عند النظر من بعيد، فإن انهيار هذه الصفقة النفطية مقابل الأمن له تداعيات تتجاوز الخليج بكثير. عندما لا يمكن اعتبار استقرار واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم أمرًا مفروغًا منه تحت حماية واحدة مهيمنة، يبدأ عدم الاستقرار في الظهور كميزة دائمة في أسواق الطاقة العالمية. قد يؤدي ذلك إلى زعزعة الأسعار، وطرق التجارة، وتسريع التحولات الجيوسياسية، ودفع الدول نحو الطاقة البديلة بشكل أكبر.
لكن ربما يكون التأثير الأعمق أكثر فلسفية.
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى “الحرب الخليجية الثالثة” على أنها مجرد قتال. إنها نقطة انتقال نحو نظام جديد وأكثر فوضى في الخليج الفارسي – نظام يكتنفه المزيد من عدم اليقين، مع مجموعة أوسع من اللاعبين، ومسؤوليات موزعة بدلاً من أن تكون مركزة في مكان واحد. الدول التي تدرك ذلك أولاً وتتكيف بسرعة ستكون هي الأكثر قدرة على التعامل مع ما سيأتي بعد ذلك.
معادلة “النفط مقابل الأمن” القديمة؟ لم تعد قابلة للتطبيق. إنها تنتمي إلى ماضٍ تلاشى في دخان ونيران هذه الحرب الخليجية الأخيرة.

