بينما تقتضي المنطق أن لا طرف لديه مصلحة في حرب شاملة، فإن أي حساب خاطئ قد يؤدي إلى ذلك، خاصة وأن الرئيس ترامب هدد باستئناف الضربات إذا لم تؤدِ الحصار البحري إلى تغيير سلوك إيران.
بينما لم تحقق المفاوضات التي جرت على مدار 21 ساعة في نهاية الأسبوع الماضي بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد اختراقًا دبلوماسيًا لإنهاء حالة عدم اليقين السائدة في منطقة الخليج، ولم تؤدِ إلى وقف نهائي للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، إلا أنها دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تهديد بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لمنع صادرات النفط. وفي الوقت نفسه، هددت إيران بتبني سياسة الأرض المحروقة من خلال استهداف جميع موانئ الخليج.
في مواجهة هذه التطورات، التي وضعت المنطقة بين فكي الضغط الاقتصادي الأمريكي والتهديد الإيراني المرتبط بأمن دول الخليج العربية، تبقى العديد من السيناريوهات ممكنة، تتراوح بين التصعيد الحاد والاحتواء المرحلي.
يتضمن السيناريو الأول تصعيدًا محدودًا من خلال استهداف ناقلات النفط أو تعطيل جزئي للملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب حرب بالوكالة قد تستمر لفترة طويلة تُشن من خلال حلفاء إيران في المنطقة (الحوثيون في اليمن، حزب الله في لبنان، وفصائل الحشد الشعبي في العراق). في المقابل، قد تشن واشنطن ضربات مستهدفة ضد المواقع الإيرانية، مما يسمح للطرفين بإرسال رسائل قوية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أما السيناريو الثاني فهو حرب اقتصادية خانقة على إيران، تهدف بشكل أساسي إلى إعاقة صادراتها ووارداتها، مع الضغط على الدول المستوردة مثل الصين والهند. من المحتمل أن يدفع ذلك طهران إلى اتخاذ إجراءات انتقامية غير مباشرة، مثل التهريب والتصعيد غير المباشر.
أما السيناريو الثالث والأكثر خطورة فهو اندلاع مواجهة عسكرية إقليمية واسعة النطاق، خاصة إذا استهدفت إيران موانئ الخليج وبحر عمان، أو إذا شنت هجمات على منشآت النفط في المنطقة. قد يؤدي ذلك إلى تدخل مباشر من واشنطن لحماية حلفائها، مع إمكانية دخول أطراف أخرى في النزاع. ستكون النتيجة ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط العالمية واضطرابًا كبيرًا في التجارة الدولية.
يبقى السيناريو الأكثر تفاؤلاً هو العودة إلى المفاوضات تحت الضغط، مما يؤدي إلى اتفاق مرحلي يخفف العقوبات على إيران مقابل قيود على برنامجها النووي.
بينما تقتضي المنطق أن لا طرف لديه مصلحة في حرب شاملة، فإن أي حساب خاطئ قد يؤدي إلى ذلك، خاصة وأن الرئيس ترامب هدد باستئناف الضربات إذا لم تؤدِ الحصار البحري إلى تغيير سلوك إيران.
بينما تستخدم طهران الأمن الطاقي وأمن الملاحة كوسيلة ردع، وتعتمد واشنطن على العقوبات والسيطرة البحرية للضغط، يبقى الوضع في المنطقة على حافة الهاوية. هناك بصيص من الأمل أن استئناف المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، المقرر إجراؤها يوم الخميس المقبل – ما لم تطرأ تطورات جديدة – قد ينهي الحرب بينهما قبل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار التي تبلغ أسبوعين.
في هذه الأثناء، يقف الخليج عند مفترق طرق حيث تتقاطع الحسابات الجيوسياسية مع مصالح الطاقة والأمن الدولي.
على الرغم من أن نافذة الحل الدبلوماسي قد ضاقت، إلا أنها لم تُغلق بعد. تؤكد التجارب السابقة أن القنوات الخلفية والوساطات الهادئة يمكن أن تفتح طرقًا غير متوقعة نحو خفض التصعيد، خاصة عندما يقتنع جميع الأطراف بأن تكلفة المواجهة تفوق مكاسبها. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة والانتقال من منطق المصارعة إلى منطق إدارة المصالح.
في ظل هذه الظروف، فإن استقرار الخليج ليس مجرد خيار إقليمي، بل ضرورة دولية ملحة. أي انزلاق نحو الفوضى سيكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، تؤثر بشكل أساسي على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة في عالم لم يعد قادرًا على تحمل أزمات جديدة مفتوحة. إنه عالم تتعدد فيه السيناريوهات المحتملة، لكن الحلول الحاسمة قليلة.

