كطالب في علم السياسة يدرس بناء السلام في الشرق الأوسط، أود أن أبدأ بشيء علمنا إياه عالم يدعى إدوارد سعيد: انتبه إلى اللغة أولاً.
ليس القنابل، وليس الخطابات حول “السلام”، وليس الحدث الإعلامي. اللغة. لأن السلطة نادراً ما تُسمى نفسها سلطة. غالباً ما تأتي كنصيحة من خبراء، كإدارة، كـ “حل” مفروض على الناس الذين يُصوَّرون على أنهم غير قادرين على حكم أنفسهم.
هذه هي جوهر ما أطلق عليه سعيد اسم الاستشراق: طريقة تفكير ترسم خطاً صارماً بين “الغرب” و”الشرق” ثم تستخدم ذلك الخط لتبرير السيطرة. إنها ليست مجرد صور نمطية—بل هي أيضاً سياسة: من يُعتبر عاقلاً، من يُعتبر خطراً، ومن يُعتبر “مشكلة” يجب إصلاحها.
الغرب يقدم نفسه كمعيار
هناك أيضاً فكرة مرتبطة تُسمى المركزية الأوروبية: يرى الغرب نفسه متقدماً، ناضجاً، ومعقولاً، بينما يرى الآخرين متخلفين، أطفالاً، أو غير متطورين.
هذا ليس جديداً. يظهر بوضوح في رؤية فريدريك هيجل – الفيلسوف الألماني: يبدأ التقدم البشري في الشرق ولكنه يكتمل فقط في الغرب. تلك الفكرة تخلق تسلسلاً هرمياً: الغرب = الاكتمال والقيادة؛ الشرق/الجنوب = التأخير والاعتماد.
من ت CIVILIZING الناس إلى إدارتهم
نقطة سعيد ليست فقط أن الغرب يسيء فهم الشرق. نقطته هي أن القوة الغربية تنتج الشرق كموضوع: شيئاً يُدرس، يُصلح، يُنظم، ويُدار.
غريزة الوصاية: “يجب أن يديرهم شخص ما”
عادة استعمارية كلاسيكية هي الوصاية: فكرة أن “هم غير مستعدين”، لذا يجب على شخص آخر إدارتهم “لصالحهم”.
تغيرت الكلمات. اليوم نسمع مصطلحات مثل الاستقرار، الحكم، إعادة الإعمار، تنسيق الأمن. لكن الهيكل يبقى كما هو: حكم بدون موافقة، و”حلول” مصممة خارج المجتمع الذي يجب أن يعيش تحتها.
لهذا السبب تصبح الكثير من الأحاديث حول “بناء السلام” خطيرة: يمكن أن تحول سؤال التحرير إلى سؤال إدارة.
الاستعمار كصفقات: الأراضي، الممرات، و”الفرص”
أسلوب ترامب هو أسلوب تعاقدي: كل شيء صفقة وكل أزمة هي فرصة للتفاوض.
يصبح هذا استعمارياً عندما تُعامل الأرض كأصل تجاري وتُعتبر الحقوق شيئاً يمكن التفاوض عليه. في هذا النموذج، تصبح المنطقة: خريطة لمشاريع تجارية (طرق الطاقة، الممرات، الموانئ)، قائمة بالعملاء (من يحصل على الأسلحة، من يحصل على العقوبات، من يحصل على الحماية)، وسوق للتطبيع (الاستسلام السياسي يُباع كـ “سلام”).
هذا ليس الاستعمار القديم للحكم الرسمي. إنه السيطرة الاستعمارية من خلال العقود، أنظمة الأمن، والضغط المالي—بينما يُطلق عليه “تنمية”.
اختبار غزة: من يحق له القرار؟
إذا كنت تريد أن تعرف أي نوع من الاستعمار يُطبق، اسأل سؤالاً واحداً:
من يحق له القرار؟
ليس من يموّل. وليس من يتفاوض. وليس من “يضمن الأمن”.
من يقرر المستقبل السياسي للشعب الذي يعيش هناك فعلاً؟
أي خطة تزيل حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم أو أي خطة تعالج غزة كمنطقة مُدارة أو مشروع خارجي، بالتأكيد تنتمي إلى التقليد الاستعماري، حتى لو كررت كلمة “سلام”.
مراقبة اللغة: نص ترامب الاستعماري لإيران
منشور ترامب على “Truth Social” هو مثال نموذجي للغة التي حذرنا منها إدوارد سعيد. عندما يكتب ترامب أن “حضارة كاملة ستموت الليلة” ثم يحتفل بـ “تغيير النظام بشكل كامل وكلي”؛ فإنه لا يصف إيران—بل يعيد تقديمها كشيء يمكن للغرب كسره وإعادة تشكيله.
في نفس النفس، يقلل من ملايين الناس إلى تسمية مجردة واحدة (حضارة)، وفي النفس التالية يحول مستقبلهم السياسي إلى مشروع مُدار من قبل الغرب، كما لو أن التاريخ نفسه ينتظر إذن واشنطن.
هذا هو المركزية الأوروبية في العمل: الغرب يقدم نفسه كمركز ناضج للعقل والخلاص، بينما يقدم الآخرين كفاسدين وفاشلين، ويحتاجون إلى حكام “أذكى”. حتى الجملة الختامية: “بارك الله في الشعب العظيم في إيران!”، تتناسب مع النص الاستعماري القديم: الشعب جيد، والنظام شرير، والغريب يدعي السلطة الأخلاقية للتدخل.
بمصطلحات سعيد، هذا هو الاستشراق بدون قناع: لغة تُعد الجمهور لقبول الهيمنة من خلال تحويل السيادة إلى “مشكلة”، ومن خلال معالجة “تغيير النظام” ليس كعنف، بل كنتيجة “رائعة”.
ما الذي يجعل نسخة ترامب مختلفة؟
ترامب لا يخفي السلطة وراء لغة مهذبة. إنه يبيعها كمنتج.
لكن الهيكل هو نفسه كما في الإمبراطوريات القديمة: الغرب يضع القواعد؛ ومن المتوقع أن تمتثل المنطقة؛ المقاومة تُعتبر غير عقلانية أو عنيفة. هذا هو المركزية الأوروبية في الممارسة: الغرب هو “العقل”، والآخرون هم “الفوضى”.
تعمل مقاربة ترامب كاستعمار حديث لأنها: تحول الشعوب إلى مشاكل يجب إدارتها، وتحول الحقوق إلى أوراق مساومة، وتعالج الأرض كحافظة أعمال، وتسعى إلى الاستقرار من خلال السيطرة بدلاً من العدالة.
لهذا السبب لا يزال سعيد مهمًا: عندما تدعي قوة ما السلطة لتعريف من أنت، فإنها تدعي أيضًا السلطة لتحديد ما يجب أن يحدث لك. يتم رسم أول حدود استعمارية باللغة وقبل أن تُفرض على الأرض.

