لا يمكن فهم ميليشيات العراق كجهات أمنية بسيطة أو كامتدادات بسيطة للسياسة الإقليمية. بل، تمثل هذه الميليشيات اقتصادًا سياسيًا متكاملًا نشأ من خراب الدولة وتطور إلى شبكة عبر الحدود من المصالح. هذه الشبكة لا تحكمها الأيديولوجيا أو الولاء، بل منطق السوق.
لم تعد ميليشيات العراق جزءًا من الفوضى؛ بل أصبحت هي هيكلها الأساسي. منذ اللحظة التي ظهرت فيها كقوى موازية للدولة، كان من الواضح أنها لم تُؤسس على عقيدة أو رؤية سياسية، بل على الفراغ الذي تركته المؤسسات المنهارة. بدأت كمرتزقة ينفذون عمليات قتل وخطف طائفية، ثم نمت إلى شبكات تتغذى على الانهيار المؤسسي وتحولت في النهاية إلى فاعلين مستقلين مسؤولين فقط عن الفرص المتاحة لهم. ما كان يُفهم سابقًا على أنه “ولاء” لإيران أو “مقاومة” ضد أعدائها كان، في الواقع، سوء فهم لكيانات تعترف بالالتزام فقط بقدر ما يضمن الربح.
أكثر المفارقات دلالة هو أن إيران نفسها كانت أول من اكتشف حدود نفوذها على هذه الجماعات.
استخدمت الفصيل المشتبه به – إما عصائب أهل الحق، بقيادة قيس الخزعلي، أو منظمة بدر، بقيادة هادي العامري – موقعها الأمني في كركوك للعبور إلى ديالى وإجراء عمليات تهريب ضد الدولة التي تدعي الدفاع عنها.
التحول عميق: الوكيل الذي تم إنشاؤه لخدمة راعيه أصبح قادرًا على العمل ضده عندما تكون الحوافز المالية في مكان آخر.
بينما وصلت إيران متأخرة إلى هذه الإدراك، وصلت تركيا إليه في وقت سابق. كشفت المعلومات التي حصلت عليها السلطات في أربيل أن تركيا كانت متورطة في تجنيد فصائل تركمانية شيعية في كركوك لتوفير إحداثيات استهداف لإسرائيل لعمليات عميقة داخل إيران. وهذا يظهر أن الميليشيات لم تعد أدوات لدولة واحدة، بل أدوات متاحة لأي دولة. فهي ليست قوات “موالية” ولا “مقاومة” – بل وسطاء أمنيون مرنون يقدمون خدمات لأعلى مزايد. هذه ليست انحرافًا عن طبيعتهم، بل هي جوهر هيكلهم: كيانات بلا مركز، بلا عقيدة وبلا التزامات ملزمة، تتحرك وفقًا للفرصة بدلاً من التحالف.
تقدم هذه الملاحظة المفتاح التحليلي لفهم الظاهرة. الميليشيا ليست منظمة أيديولوجية، بل هي شركة أمنية ولدت من انهيار الدولة التي تحولت تدريجيًا إلى فاعل مستقل. لهذا السبب اختفت هذه الجماعات خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة، تاركة إيران تواجه عزلة غير مسبوقة. لا تموت الميليشيات من أجل أي شخص؛ بل تختفي عندما يتغير السوق.
لم يبدأ هذا التحول اليوم. منذ عام 2003، انتقلت الميليشيات من رؤية العنف كعلامة هوية إلى رؤيته كنشاط اقتصادي. بدأت بعمليات قتل طائفية، ثم توسعت إلى سوريا كجزء من آلة الحرب، قبل أن تدرك أن تهريب المخدرات من سوريا ولبنان كان أكثر ربحية من القتال في ساحة المعركة.
لم تعد تعمل خارج الدولة؛ بل تعمل الآن من داخلها، مستخدمة مؤسساتها كواجهة لاقتصاد مواز.
زيارة المبعوث الخاص الأمريكي إلى سوريا ولبنان، توم باراك، إلى بغداد هذا الأسبوع تشير إلى لحظة إعادة تقييم في السوق. كانت رسالته إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني واضحة: واشنطن لن تتعامل مع حكومة تشكلت من قبل الميليشيات المدعومة من إيران أو واجهاتها السياسية. هذه ليست مجرد موقف سياسي، بل إعادة تعريف للقواعد. الولايات المتحدة تدرك أن هذه الجماعات لم تعد مجرد أدوات لإيران، بل أصبحت فاعلين مستقلين يمكنهم تغيير ولائهم لأي قوة تقدم لهم الحماية أو التمويل. لذا، ليس من المستغرب أن قيس الخزعلي، المدرج على قائمة العقوبات الأمريكية المتعلقة بالإرهاب، قد أعلن فجأة دعمه لـ “احتكار السلاح في يد الدولة”. لم يكتشف الخزعلي فضائل الدولة؛ بل اكتشف ثقل الضغط وربحية التواجد داخل الحكومة بدلاً من خارجها.
في النهاية، لا تعتبر ميليشيات العراق مشاريع أيديولوجية ولا امتدادات استراتيجية لدولة إقليمية. إنها معاملات تتغير شروطها اعتمادًا على من يدفع. استخدمتهم إيران في العراق وسوريا، وبعد ذلك تحولوا إلى تهريب المخدرات. ثم انغمسوا داخل المؤسسات الحكومية لتسهيل صفقات فساد كبيرة، وهم الآن يستعدون لمرحلة جديدة: التوافق مع من يمكنه تقديم الحماية أو المكافأة المالية. العراق ليس ساحة معركة للميليشيات؛ بل هو سوق لأولئك الذين يشترون خدماتهم. جوهر هذا التحول هو أن الميليشيا، التي بدأت كمسدس للإيجار، أصبحت شيكًا في اقتصاد سياسي لا يعترف بالولاء أو المبدأ، بل فقط بالربح.

